حيدر حب الله

55

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

2 - مدرسة السيّد المرتضى ( 436 ه ) ، ونسمّيها « مدرسة » مجاراة للطرف الذي يعتقد أنّها لم تكن تمثّل مشهور الشيعة في عصرها وما قاربه ، فإنّ هذه المدرسة متمثّلة - على الأقلّ - بالمرتضى وابن زهرة ( 585 ه ) وابن إدريس ( 598 ه ) وغيرهم ، كانت تعتقد بلزوم العمل بالخبر اليقيني ، وقد بنت فقهها على ذلك ، وأثبتت - سيّما تجربة ابن إدريس - أنّ بالإمكان في تلك المرحلة إنتاج فقه استدلالي موسّع على أساس إنكار أخبار الآحاد الظنيّة . إنّ عمل الجميع بروايات موجودة في الكتب الأربعة أو غيرها ، ليس دليلا على أنّ الصورة النظرية عندهم متّحدة ، فربما عمل بها بعض لقانون الحجية التعبّدي « 1 » ، فيما عمل البعض الآخر بها لتواتر بعضها أو احتفافه بقرائن وشواهد توجب الوثوق والاطمئنان مما يسمّى بالعلم العادي ، كما دأب على تسميته المولى الأسترآبادي صاحب الفوائد المدنية ( 1036 ه ) . وإضافة إلى هاتين العيّنتين الدالّتين ، عنيت المدرسة الأخبارية في العصر المتأخر ، ومدرسة السيّد المرتضى في العصر المتقدّم « 2 » ، يمكن الإشارة إلى أنّ ظاهرة اليقين ، ظاهرة لها قوانينها وخصائصها ، فعند ما لا يكون هناك جدل واحتدام نقاش في أمر ما ، فإنّ بالإمكان حصول اليقين ، لكن كلّما تضاعفت الآراء وتكاثرت حول نقطة واحدة ، كلّما صار الوصول إلى اليقين مدعاة لمزيد من التروّي والتريّث ، إن كثرة الآراء وتضاربها يساهم أحيانا في بطء حصول اليقين بالشيء الذي تركّزت الآراء المختلفة عليه . ولسنا نزعم معادلة رياضيّة أو عقليّة لا تختلف ولا تتخلّف ، لكن الحالة العامّة تساعد على مثل هذا الفهم لظاهرة اليقين ، وبإمكاننا - لوعي هذه الحقيقة - أن نرصد التجارب الفقهيّة منذ عصر الكليني والصدوق والمرتضى وحتى العصر الحاضر ، إنّ محدوديّة الأقوال في تلك المرحلة كانت تجعل الجزم بأحد المحتملات أسهل ميدانيا ، ولهذا لاحظنا أن مقولة الاحتياط في العقل الشيعي القديم كانت تمثّل منهاجا اجتهاديا فيحصل

--> ( 1 ) - الحجيّة - كما سيأتي معنا في الفصل الخامس من هذا الكتاب - مصطلح في علم أصول الفقه يراد به جعل دليل ما حجة ، أي منجزا ومعذرا ، بمعنى أنّ العمل به يعذر الإنسان على تقدير عدم إصابة هذا الدليل للواقع ، ويلزمه بالواقع نفسه على تقدير إصابة الدليل لهذا الواقع ، ومعنى التعبّدية أن يكون هذا الاعتبار وتلك القيمة الممنوحان للدليل الظني قد جاءا من جانب اللّه سبحانه وتعالى . انظر : محمد صنقور علي ، المعجم الأصولي : 501 - 502 ، 507 - 509 . ( 2 ) - ينصّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( 1228 ه ) على أن سبل الوصول للسنّة القطعية كثيرة ، ويرى إمكان استغناء الفقيه بأدلّة اليقين عن الظنون في مجالات كثيرة جدا ، فراجع له : كشف الغطاء 1 : 192 . 214 - 215 .